وهبة الزحيلي
294
التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج
أقسم بالقرآن ذي الحكمة البالغة ، المحكم بنظمه ومعناه بأنك يا محمد لرسول من عند اللّه على منهج سليم ، ودين قويم ، وشرع مستقيم لا عوج فيه . وفي هذا إشارة إلى أن القرآن هو المعجزة الباقية ، وأن محمدا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، صادق في نبوته ، ومرسل برسالة دائمة من عند ربه . تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ أي هذا القرآن والدين والصراط الذي جئت به تنزيل من رب العزة ، الرحيم بعباده المؤمنين ، كما قال تعالى : وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ، صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ، أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [ الشورى 42 / 52 - 53 ] . وهذا دليل واضح على مكانة القرآن وأنه أجل نعمة من نعم الرحمن . لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ ، فَهُمْ غافِلُونَ أي أرسلناك أيها النبي لتنذر العرب الذين لم يأتهم رسول نذير من قبلك ، ولم يأت آباءهم الأقربين من ينذرهم ويعرّفهم شرائع اللّه تعالى ، فهم غافلون عن معرفة الحق والنور والشرائع التي تسعد البشر في الدارين . لكنّ ذكرهم وحدهم هنا للعناية بهم وتوجيه الخطاب لهم : لا ينفي كونه مرسلا إلى الناس كافة ، بدليل الآيات والأحاديث المتواترة المعروفة في عموم بعثته صلّى اللّه عليه وسلّم ، مثل قوله تعالى : قُلْ : يا أَيُّهَا النَّاسُ ، إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً [ الأعراف 7 / 158 ] وقوله صلّى اللّه عليه وسلّم فيما أخرجه الشيخان والنسائي عن جابر : « وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة ، وبعثت إلى الناس عامة » . لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي لقد وجب العذاب على أكثر أهل مكة ، وهو ما سجّل عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون بالقرآن وبمحمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهم الذين علم اللّه أنهم يموتون على الكفر ، ويصرون عليه طوال حياتهم .